ما الذى قال الإمام الشعراوى فى قوله تعالى : (( وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ ...

Labels:

أنّ الحق يأتى هنا بقضيّة كونيّة فى الوجود . و هى أنّ الحرب ضرورة اجتماعية . و أنّ الحق يدفع الناس بالناس . و أنّه لو لا وجود قوة أمام قوة لفسد العالم . و لو سيطرت قوة واحدة فى الكون لفسد .

فالذى يعمر الكون هو أن توجد فيه قوى متكافئة . قوة تقابلها قوة أخرى . و لذالك نجد العالم دائما محروما بالقوتين العظيمين و لو كانت قوّة واحدة لعمّ الضلال . و لو تأمّلنا التاريخ منذ القدم لوجدنا هذه الثنائيّة فى القوى تحفظ الاستقرار فى العالم .

فى بداية الإسلام كانت الدولتان العظميان هما الفرس فى الشرق و الروم فى الغرب . و الآن سقطت قوّة روسيا من كفة ميزان العالم و تتسابق ألمانيا و اليبان ل يوازنا قوّة أمريكا .

""

فالدفع هو الرد عن المراد . فإذا كان المراد للنّاس أن يوجد شر فإنّ الله يدفعه . إذن فالله يدفع و لكن بأيدى خلقه ، كما قال سبحانه : ((قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ)) [التوبة : 14] . إنّه دفع الله المؤمنين ليقاتلوا الكافرين ، و يعذب الحق الكافرين بأيدى المؤمنين .

""

و نجد أية أخرى أيضا تقول : ((الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)) [الحج : 40]

""

و الصوامع هى ما يقابل الآن الدير للنصارى و كانوا يتعبدون لله فيها . لأنّ فيه متعبدا عمل بالتكليف العام . و متعبدا آخر قد ألزم نفسه بشيء فوق ما كلّفه الله به . فالذين يعبدون الله بهذه الطريقة يجلسون فى أماكن بعيدة عن الناس يسمونها الصوامع ، و هى تشبه الدير الآن . و المعنى العام فى التعبد للنصارى هو التعبد فى الكنائس و هو المقصود بالبيع . و المعنى الخاص هو التعبد فى الصوامع .

إذن ((لهدّمت الصوامع)) هذه لخاصة المتدينين . و كنائس أو بيع لعامة المتدينين . و قول الحق ((و صلوات)) من صالوت و هى مكان العبادة لليهود ((و مساجد)) هى مساجد المسلمين .

أنّ قوله تعالى ((لفسدت الأرض)) فى هذه الآية و قوله تعالى هناك ((لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ)) لأنّها هى تربط المخلوق بالخالق فإن هدّمت ... يكون الناس على غير ذكر لربهم و تفتنهم أسباب الدنيا .

و الأديرة و الكنائس و الصوامع - حين كانت – و المساجد الآن هى حارسة القيم فى الوجود . (انظر تفسير الشعراوى)